مقال : محاكمة سُقراط وعقيلة الهاشميين

محمد بن رضا اللواتي

ولننتقل إلى أثينا، حيث كان القاضي الذي بدت عيناه أنهما ذاقتا من طعم السهاد بليغا، يشير إلى أنيتس بالكلام، فقام يقول بأنّ “الحكيم الملحد” كان يتقاضى الأجور على تعليمه الناس!

يعود صوت سُقراط للارتفاع وهو يقول: “إنني أمجد المعلم المأجور إن كان معلما قديرا على تعليم البشر، يعلمهم ابتغاء وجه الله، هذا يستحق ليس فحسب المال، بل الثناء العظيم. إنّ فيلسوفا من بارا يقيم في أثينا يدفع مالا باهظا للسفسطائيين لكي يؤدبوا أولاده. قلتُ له إن ولديك لو كانا بقرتين ألم تكن لتأتي لهما بفلاح يقوّمهما ليبلغ بهما حد الكمال؟ فكيف وهما بشريان؟ ألا فكرت أن يكون لهما مؤدب؟ أهذه جريمتي؟

أمّا في الشام، فقد تملك الحنق الملك مما سمعه من زين العابدين فشاور جلساءه؛ فأشاروا عليه بقتل الغلام المكبل بالأغلال، عندها رفعت “عقيلة الهاشميين” صوتها وهي تقول: “أظنَنْتَ يا يزيد حيث أخَذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبَحنا نُساق كما تُساق الأُسارى، أنّ بنا على الله هَواناً وبك عليه كرامة؟! وأنّ ذلك لِعِظَم خَطَرِك عنده! فشَمَختَ بأنفِك، ونظرتَ في عِطفِك، جَذلانَ مسروراً، حين رأيت الأمورَ مُتَّسِقة، مهلاً مهلا! أنَسِيتَ قول الله تعالى: ولا يَحسَبنَّ الذين كفروا أنّما نُملي لَهُم خيرٌ لأنفسِهِم، إنّما نُملي لَهُم ليزدادوا إثماً ولهم عذابٌ مُهين؟! أمِن العدلِ، يا ابنَ الطُّلَقاء، تخديرُك حَرائرَكَ وإماءَك وسَوقُك بناتِ رسول الله سبايا قد هُتِكت سُتورُهنّ؟! فوَاللهِ ما فَرَيتَ إلاّ جِلْدَك، ولا جَزَزْتَ إلاّ لحمك، ولَتَرِدنّ على رسول الله بما تحمّلت مِن سَفكِ دماءِ ذريّتهِ، وانتهكتَ مِن حُرمته في عِترته ولُحمته! حيث يجمع الله شملهم، ويَلُمّ شعَثَهم، ويأخذ بحقّهم.. ولا تَحسَبنَّ الذينَ قُتِلوا في سبيلِ اللهِ أمواتاً بل أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرزَقون. حَسْبُك بالله حاكماً، وبمحمّدٍ خَصيماً، وبجبريل ظَهيراً”.

نهض وليقون مخاطبا القضاة بمحكمة أثينا: “لقد أفسدت شباب المدينة يا “سُقراط” إذ علمتهم أنّ آلهة الناس ليست هي الآلهة! أنت ملحد غاية الإلحاد. ألم تقل للشباب أنّ القمر مصنوع من التراب؟”.

أخذت سلاسل سُقراط تحدث جلجلة كجلجلة الأجراس، فيما ارتفع صوته يقول:

“يا أيّها الأثينيون، لن أصوغ خطابي بعبارة منمقة كما فعل أعدائي، لست أقف بينكم خطيبا صبيانيا، بل رجل هو على يقين من عدالة قضيته، إنّي أقول بإلهي الشمس والقمر وهذه عقيدة سائدة في الناس يا “وليقون”. هل تنكر بأنّي أؤمن بإله ما؟”.

يرد وليقون قائلا: “أقسم بزيوس أنك لا تؤمن بإله”، فيرد “سُقراط” ليقول: “دعني إذن أسألك سؤالا وأرجو منك أن تجيب صدقا واسمعوا أنتم السؤال يا أبناء أثينا: هل يجوز لي أن أعتقد بأشياء تتصل بالبشر، دون أن أعتقد بالبشر؟ هل يجوز لي أن أعتقد بصفات الجياد دون أن أعتقد بالجياد؟ هل بإمكاني أن أؤمن برسول روحي إلهي ولا أؤمن بالأرواح نفسها وبالآلهة؟”.

صمت مطبق تكتسيه المحكمة..

ويجيب وليقون بصوت مبحوح: “كلا ليس بإمكنك”! فيرد “سُقراط” قائلا: “يسرني أن أحصل منك على هذا الجواب، وحسبي ما قلته ردا لدعواكم”.

لا يتذكر أقريطون أنّ المحكمة قد أخذت وقتا يُعد طويلا لتتخذ قرارها، فقد تلا كبير القضاة الحكم ليقطع لغط الناس وكثرة مناقشاتهم فيما سيؤول إليه مصير سُقراط.

لقد كان قرارا في كلمتين: “يُعدم سُقراط”!

لم يثنِ القرار عزم سُقراط عن أن يضحك وهو يقول رافعا صوته: “لقد سلبتني المحكمة قلة من السنوات فحسب تلك التي بقيت من عمري، فلقد اكتهلت، لكن سلب هذه القلة من السنوات ستجلب لكم العار بقتلي. لن أفر من “أثينا” لأني أؤثر الموت على الحياة التي كما يريدها الناس لي لا كما أشتهيها. لقد دُنس قضاؤكم بخطيئة الفجور، وأنتم في ذلك لأفدح مني مصابا. إنّ موتي نواة تثمر عن عدد وفير من الاتباع. ثم إن الموت الذي أقبل عليه خير لا شر فيه لأنه سيقودني إلى مجمع الأرواح لتسنح لي فرصة الالتقاء بهم في حياة أجمل ما فيها أنّها خالدة، وإنه يستحيل على الطيب أن يصيب بالشر بعد مماته”.

وفي الشام كذلك، لم تتردد عقيلة الهاشميين عندما رأت ثائرة الغضب الذي اشتعل في ملامح الملك، ولا لصيحات الاستهجان والذهول والدهشة التي أطلقها رفقاء مجلسه، ولا للرماح التي وجهها الجند صوب صدر ابن أخيها، بل استأنفت تقول: “لئن جَرَّت علَيّ الدواهي مُخاطبتَك، إنّي لأستصغرُ قَدْرَك، وأستَعظمُ تَقريعك، واستكبر توبيخك!! لكنّ العيون عَبْرى، والصدور حَرّى، ألا فالعَجَب كلّ العجب لقتلِ حزبِ الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء! فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك، فوَاللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها، وهل رأيُك إلاّ فَنَد، وأيّامك إلاّ عَدَد، وجمعك إلاّ بَدَد!! يوم ينادي المنادي: ألاَ لَعنةُ اللهِ علَى الظالمين”.

وبينما كانت الجند تجر الحكيم إلى مقر الإعدام، كان أقريطون في وسط السوق يصيح: “العجب كل العجب من أن يصبح داعي الخير والمحبة والسلام متهما فمسجونا فقتيلا، هذه لحظة غُصة “أثينا” وبكائها السجوم، أليست ستدعو هذه الفعال إلى محاكمة أبشع من هذه يوما؟”.

لقد تحققت نبوءة أقريطون، فمع مرور الأيام، وتدافع السنون، وتراكض القرون، وجريان الدهور، كانت “محاكمة الشام” كما نقلنا لك أيّها القارئ صورا منها.

دخل الحكيم في غرفته بالسجن استعدادا للموت، إلا أنّ احتجاجاته كانت قد أسهمت في نشوء جيل من الحكماء والفلاسفة. وخرجت عقيلة الهاشميين مع ابن أخيها وبقية آل بيت النبي إلى المدينة المنورة، إلا أن محاججتها الملتهبة قد مزقت هيبة الحكم الظالم وأطاحت بعرشه بما هيأت من ثورات متلاحقة ضد عروش الطغاة والظلمة.

mohammed@a;roya.net

المصدر جريدة الرؤية  العمانية 

التصنيفات: أقلام حرة